ابو القاسم عبد الكريم القشيري
118
شرح الأسماء الحسنى
وقد قال بعض المشايخ : إنما يعرف توحيد الرجل عند الصدمة الأولى من المحنة ، يعنى بذلك إقباله على اللّه بقلبه في أول الوهلة . وقد حكى عن أحمد بن أبي الحوارى أنه قال : كنت مع أبي سليمان الدارانى في طريق مكة فسقطت منى السطيحة ، فأخبرت أبا سليمان بذلك قال : يا راد الضالة ، يا هادي من الضلالة ، أردد علينا الضالة ، قال : فلم ألبث حتى أتى رجل يقول : من سقطت منه سطيحة ، فإذا هي سطيحتى ، قال : فأخذتها ، قال أبو سليمان : حسبت أنه يتركنا بلا ماء فمضينا قليلا ، وكان برد شديد ، وعلينا الفرا ، فرأينا رجلا عليه طمران رثان وهو يترشح عرقا ، فقال أبو سليمان : نواسيك من فضل ما معنا ، فقال : الحر والبرد خلقان من خلق اللّه ، إن أمرهما غشيانى ، وإن أمرهما تركانى ، فأنا أسير في هذه البادية منذ ثلاثين سنة ما ارتعدت ولا انتفضت ، يلبسنى في البرد فيحا من محبته ، ويلبسنى في الحر برد رحمته ، يا دارانى ، تشير إلى الزهد وتجد البرد ، يا دارانى تبكى وتصيح وتستريح إلى الترويح ، قال : فمضى أبو سليمان وهو يقول : لم يعرفني غيره . قال الأستاذ : هذه الحكاية تدل على أن أبا سليمان صدق في فزعه إلى اللّه تعالى والتجائه إلى اللّه عند فقد السطيحة فحقق اللّه ظنه لما وصل إليه مفقوده ، ثم صانه عن محل الإعجاب بما أراه من محل من زاد عليه في معناه ، ثم صغر في عينه حال نفسه بما اطلع عليه من مزية غيره عليه في مقامه ، وتلك سنة اللّه مع أوليائه أن يصونهم عن ملاحظة الأعمال ويصغر في أعينهم ما يصفو لهم من الأحوال . وكان الشيخ أبو عليّ الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، يقول : علامة من كان صادقا فيما ظهر عليه من التواجد ، أن تكون خجلته بعد صحوه من تلك الغلبة أكثر من خجلة من قارف كبيرة ، وكان كثيرا ما ينشد في معناه : يتجنب الآثام ثم يخافها * فكأنما حسناته آثام